سيد محمد طنطاوي
386
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
خيامهم ومبانيهم الفارهة . . والتي لم يخلق مثلها - أي : مثل هذه القبيلة - أحد في ضخامة أجسام أفرادها ، وفي قوة أبدانها ، وفيما أعطاها اللَّه - تعالى - من غنى وقوة . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ . إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ . الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ) * هؤلاء كانوا متمردين عتاة . . فذكر - سبحانه - كيف أهلكهم . وهؤلاء هم عاد الأولى ، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح ، وهم الذين أرسل اللَّه إليهم نبيه هودا - عليه السلام - فكذبوه فأهلكهم اللَّه - تعالى - . فقوله : * ( إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ) * عطف بيان ، زيادة تعريف بهم . وقوله : * ( ذاتِ الْعِمادِ ) * لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشّعر التي ترفع بالأعمدة الشداد . وقال هاهنا : * ( الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ ) * أي : القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم ، لقوتهم وشدتهم ، وعظم تركيبهم . . فالضمير في * ( مِثْلُها ) * يعود إلى القبيلة . ومن زعم أن المراد بقوله : * ( إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ) * مدينة إما دمشق أو الإسكندرية . . ففيه نظر . . لأن المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد ، وليس المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم . وإنما نبهت على ذلك لئلا يغتر بما ذكره جماعة من المفسرين من أن المراد بقوله - تعالى - : * ( إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ . . . ) * مدينة مبنية بلبن الذهب والفضة . . فهذا كله من خرافات الإسرائيليين . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ . وفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتادِ ) * معطوف على ما قبله . والمراد بثمود : القبيلة المسماة بهذا الاسم ، نسبة إلى جدها ثمود ، وقد أرسل اللَّه - تعالى - إليهم نبيهم صالحا - عليه السلام - فكذبوه ، فأهلكهم اللَّه - تعالى - . وكانت مساكنهم بين الشام والحجاز ، وما زالت معروفة حتى الآن باسم قرى صالح . وقوله : * ( جابُوا ) * بمعنى قطعوا . من الجواب بمعنى القطع والخرق ، والصخرة الحجارة العظيمة . والواد : اسم للأرض المنخفضة بين مكانين مرتفعين ، وكان هؤلاء القوم يقطعون الصخور من الجبال ، ليتخذوا منها بيوتهم بواديهم ، أي : بالمكان الذي كانوا يسكنونه .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 418 .